العيني
226
عمدة القاري
وأصحابه أنه لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز ، ولا يجوز بيع مكاتبه بحال ، وهو قول الشافعي بمصر ، وكان بالعراق يقول : يجوز بيعه . وقال النووي : وقال بعض العلماء : يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام . السابع : ما قاله الخطابي : فيه جواز بيع الرقبة بشرط العتق ، لأن القوم قد تنازعوا الولاء ولا يكون الولاء إلاَّ بعد العتق ، فدل أن العتق كان مشروطاً في البيع . قلت : إذا اشترط البائع على المبتاع إيقاع معنىً من معاني البر فإن اشترط عليه من ذلك ما يتعجل كالعتق المعجل فذلك جائز عند الشافعي ، ولا يجوز عند أبي حنيفة . فإن امتنع البائع من إنفاذ العتق ؟ فقال أشهب : يجبر على العتق . وقال ابن كنانة : لو رضي البائع بذلك لم يكن له ذلك ويعتق عليه . وقال ابن القاسم : إن كان اشتراه على إيجاب العتق فهو حر ، وإن كان اشتراه من غير إيجاب عتق لم يجبر على عتق ، والإيجاب أن يقول : إن اشتريته منك فهو حر ، وإن لم يقل ذلك ، وإنما اشترط أن يستأنف عتقه بعد كمال ملكه فليس بإيجاب . وقال الشافعي : البيع فاسد ويمضي العتق اتباعاً للسنة ، وروي عنه : البيع جائز والشرط باطل ، وروى المزني عنه : لا يجوز تصرف المشتري بحال في البيع الفاسد ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، واستحسن أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن ينجز له العتق ويجعل عليه الثمن ، وإن مات قبل أن يعتقه كانت عليه القيمة . وقال أبو يوسف : العتق جائز وعليه القيمة ، والحجة لأبي حنيفة في هذا الباب وأمثاله حديث عبد ا بن عمرو بن العاص عن النبي : أنه نهى عن بيع وسلف وعن شرطين في بيعة ، وعنه أيضاً : لا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع ، أخرجه الأربعة والطحاوي بأسانيد صحاح ، وفسروا قوله : وعن شرطين في بيع ، بأن البيع في نفسه شرط ، فإذا شرط فيه شرط آخر فقد صار شرطين . وقول الخطابي : فدل أن العتق كان مشروطاً في البيع لا دليل له فيه ظاهراً ، والحكم به عى جواز البيع بالشرط غير صحيح ، لأنه مخالف لظاهر الحديث الصحيح . الثامن : ما قاله الخطابي فيه أيضاً : إنه ليس كل شرط يشترط في بيع كان قادحاً في أصله ومفسداً له ، وإن معنى ما ورد من النهي عن بيع وشرط منصرف إلى بعض البيوع وإلى نوع من الشروط ، وقال عياض : الشروط المقارنة للبيع ثلاثة أقسام : أحدها : أن يكون من مقتضى العقد : كالتسليم وجواز التصرف في المبيع ، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه لأنه يقضي به وإن لم يشترط . والثاني : أن لا يكون من مقتضاه ، ولكنها من مصلحته : كالتحميل والرهن واشتراط الخيار ، فهذا أيضاً يجوز اشتراطه لأنه من مصلحته فأشبه ما كان من مقتضاه . والثالث : أن يكون خارجاً عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه في العقود ، بل يمنع من مقتضى العقد أو يوقع فيه غرراً أو غير ذلك من الوجوه الممنوعة ، فهذا موضع اضطراب العلماء . وا تعالى أعلم . قلت : عند أصحابنا البيع بالشرط على ثلاثة أوجه . الأول : البيع والشرط كلاهما جائزان ، وهو على ثلاثة أنواع : أحدها : أن كل شرط يقتضيه العقد ويلائمه فلا يفسده بأن يشتري أمة بشرط أن تخدمه أو يغشاه ، أو دابة بشرط أن يركبها ونحو ذلك . النوع الثاني : كل شرط لا يقتضيه العقد ولكن يلائمه بأن يشترط أن يرهنه بالثمن رهناً ، وسماه أن يعطيه كفيلاً وسماه والكفيل حاضر فقبله ، وكذلك الحوالة ، جاز استحساناً خلافاً لزفر . النوع الثالث : كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، ولكن ورد الشرع بجوازه : كالخيار والأجل ، أو لم يرد الشرع به ولكنه متعارف متعامل بين الناس بأن اشترى نعلاً على أن يحذوه البائع ، أو قلنسوة بشرط أن يبطنه . جاز استحساناً خلافاً لزفر . الوجه الثاني : البيع والشرط كلاهما فاسدان ، وهو كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، وفيه منفعة لأحدهما أو للمعقود عليه . بأن اشترى حنطة على أن يطحنها البائع ، أو عبداً على أن لا يبيعه ، وكذا على أن لا يعتقه خلافاً للشافعي فيه ، فإن أعتقه ضمن الثمن استحساناً عند أبي حنيفة ، وعندهما قيمته . الوجه الثالث : البيع جائز والشرط باطل ، وهو على ثلاثة أنواع : الأول : كل شرط لا يقتضيه العقد وليس فيه منفعة بل فيه مضرة بأن باع ثوباً أو دابة بشرط أن لا يبيعه ولا يهبه ، أو طعاماً بشرط أن لا يأكل ولا يبيع ، جاز البيع وبطل الشرط . الثاني : كل شرط لا يقتضيه العقد وليس فيه منفعة ولا مضرة لأحد ، بأن باع طعاماً بشرط أن يأكله جاز البيع وبطل الشرط . الثالث : كل شرط يوجب منفعة لغير المتعاقدين والمبيع نحو : البيع بشرط أن يقرض أجنبياً لا يفسد البيع . التاسع : قال الخطابي : فيه دليل على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه ، ولا لمن حالف إنساناً على المناصرة ، وقال الشيخ تقي الدين : فيه حصر الولاء للمعتق فيقضتي ذلك أن لا ولاء بالحلف والموالاة وبإسلام الرجل على يد الرجل